الجصاص

250

الفصول في الأصول

وأيضا : فإن في حظر هذه الأشياء تكليفا ومشقة تدخل على النفس ، وغير جائز للإنسان إدخال الضرر والمشقة على نفسه ، من غير اجتلاب نفع ، ولا دليل في العقل يوجب ذلك ، فقبح إلزامه ذلك . وأيضا : فإن تكليف الفرض لطف من الله تعالى في التمسك بما في المعقول إيجابه ، ومن أجله حسن إيجابها ، وما كان هذا سبيله فغير جائز أن يخليه الله تعالى من إقامة دليل على لزوم اجتنابه ، إن كان محظورا . فدل على ( أن ) ( 1 ) ما كان هذا وصفه مما لم يرد السمع بإيجابه وحظره فهو مباح . وأيضا فإن في ترك الإقدام على الأكل والشرب تلف النفس ، وذلك قبيح إذا لم يؤد إلى نفع هو أعظم من الضرر اللاحق به ، فلما لم يعلم : أن له نفعا في تركه ، لم يجزله تركه . فإن قال قائل : ما أنكرت أن يكون في العقل دلالة على حظر هذه الأشياء قبل مجئ السمع ، وهي : ( 2 ) أن هذه الأشياء ملك الله تعالى ، وفي عقل كل عاقل : أنه لا يجوز التصرف في ملك الغير إلا بإذنه . قيل له : ليس الانتفاع بملك الغير بغير إذنه محظورا لعينه ، لأنه جائز له الانتفاع بملك الغير بغير إذنه إذا لم يكن عليه فيه ضرر ، نحو : أن يستظل بظل حائطه ، ويقعد في ضوء سراجه ، ويسرج منه لنفسه ، فلما كان ذلك ضربا من الانتفاع بملك الغير ولم يكن قبيحا من أجل وقوعه بغير إذن مالكه - علمنا أن : الانتفاع بملك الغير يجوز ( 3 ) بغير إذنه ، فالمستدل على حظر ذلك لأجل كونه ملكا للغير ، وأنه ينتفع به بغير إذنه مخطئ . فقد سقط هذا السؤال من هذا الوجه ، ونقول مع ذلك : إن حكم هذه الأشياء في جواز الانتفاع بها قبل مجئ السمع حكم ( انتفاع الواحد ) ( 4 ) منا بظل حائط غيره ، وبضوء سراجه ، والاستصباح منه ، وذلك لأن الله تعالى المالك لهذه الأشياء لا يلحقه الضرر ( 5 ) بانتفاع المنتفع منا بها ، ولا ضرر يلحقنا بها أعظم مما نرجوه من النفع ، لأنه لو كان علينا فيه